الحلقة 1: توزبيرين (ذكريات طفل من أقاصي الجبال).


(توزبيرين لفظة أمازيغية تعني آلام مخاض الولادة، وتعني أيضا المغص وآلامه، ويمتد معناها إلى الألم الشديد في العضلات).
ـ “لم أر مثل هذا المخاض من قبل يا ابنتي، كأن هذا المولود يرفض الخروج إلى الدنيا، أو كأنه يريد أن يريحك من هذه الحياة ويأخذ بيدك إلى الآخرة”.
نطقتها عائشة والعبرات تنهمر على خديها اللذين بدأت تشقهما الأخاديد، فبدت دموعها المنسابة بين تلك الأخاديد مثل قطرات تسقط من شمعة يحرقها اللهيب.
صحيح أن صبرها وجلدها الذي اكتسبته من جبال الأطلس الشامخة منعها من أن تصرخ أو تولول، لكنه لم يستطع أن يكبح جماح ألم خفي يعتصر قلبها فيتحول إلى دموع حارة محملة بالمرارة، بعضها تسلل إلى مدخل فتحة أنفها وبعضها إلى فمها والجزء الأكبر منها يستقبله صدرها فيبلل لباسها الرث الذي نال نصيبه من عوادي الزمان في هذه المرتفعات الشاقة بقرية إمسونة بقبيلة أيت عباس في إقليم أزيلال.
منذ ثلاثة أيام وابنتها رقية، التي لم تتعد ربيعها السابع عشر، تصارع الموت جراء ما يعبر عنه الأمازيغ بلفظة “توزبيرين”، وتعني المخاض العسير، لقد رأتها وهي تكاد تسلم الروح لبارئها أكثر من مرة خلال الأيام الثلاثة العصيبة.
تتساءلون لماذا لم ينقلوها إلى أقرب مستشفى؟ آه آه، تلك رفاهية لا تحلم بها نساء هذه القرى ولا أطفالها ولا حتى رجالها، فأقرب مستوصف لن تجد فيه حتى أدوية الباراسيتامول أو معقمات الجروح البسيطة، وفوق ذلك يبعد عن إمسونة نحو ستة كيلومترات كلها مسالك جبلية وعرة، وثالثة الأثافي أنه مغلق باستمرار لأن الممرض الوحيد الذي يشتغل فيه ملّ السكن بينهم في هذه الظروف العصيبة، فقرر أن يسكن في المدينة فلا يأتي إلا لماما.
لذلك فالسكان هنا لا يكلفون الحكومة شيئا ولا يرجون منها شيئا، يعتمدون على إمكاناتهم وما تجود به جبالهم من أعشاب لمداواة جراحهم وأسقامهم، فيذرون التراب ومسحوق الحجارة أو بعض التوابل على جروحهم، ويدرؤون الحمى بأوراق شجرتي العرعار والضرو (المعروفة أيضا بالمستكة)، ويدفعون المغص والإسهال وكثيرا من الأوجاع بكثير من الأعشاب والنباتات مثل الزعتر والحناء وأوراق الزيتون والزنجبيل والثوم والبصل وغيرها، وإن شئتم تقريب الصورة قليلا، فلنقل إن الوضع هناك يشبه ما ترونه في بعض المسلسلات التاريخية التركية مثل “أرطغرل” و”المؤسس عثمان”.
ثلاثة أيام بلياليها وعائشة ونسوة الجيران يتناوبن على محاولة توليد رقية، وبوسائل بدائية لا تغني شيئا، ويعولن أكثر على جهد وقدرة تحمل الأم المسكينة التي تكاد تنقطع أنفاسها، حتى إنهن استقبلن بها القبلة ثلاث مرات ظنا منهن أنها فارقت الحياة، وأخذت ألسنتهن تلهج بذكر الله وبالشهادتين.
وفي يوم الأحد 17 يونيو 1973 أطلق الطفل صرخة الحياة الأولى ليخلص الله أمه من صرخات آلام المخاض، ولتحضنه وقد تحولت آلامها فجأة إلى فرحة كبيرة، وتحول الوجوم الذي كان يخيم على الغرفة الصغيرة إلى سعادة عارمة تترجمها سلسلة الزغاريد التي أطلقتها النسوة.
كان على عائشة أن ترسل إلى صهرها مُوحْ من يبشره بقدوم طفله الأول، فنادت بنتها الصغيرة كلثوم، لكن بادرتها زوجة أخيه علي قائلة:
ـ تريثي قليلا فقد أعددت لهم طعام الغذاء هو وباقي الحصّادين، وما دامت كلثوم ستذهب إليهم فلتوصله لهم.
ـ حسنا لكن أسرعي لو سمحت، فما تزال وراءها أعمال ومهام كثيرة، وأنا كما ترين مشغولة مع رقية وأحوالها.
ومضت عائشة واثنتان من الجارات يركضن وراء ديك ضخم مزركش ومنتفش الريش، هو ذا الدواء الذي سيعوض رقية ما فقدته من دماء وهي تنزف ثلاثة أيام، وسيعيد لها قوتها شيئا فشيئا عندما تشرب مرقه بعد طبخه مع تشكيلة من الأعشاب البرية مثل الحلبة والزعتر والزنجبيل والقرفة، وبعض القطاني مثل العدس والجلبان، وشيء من حساء “كيكر” (اسم أمازيغي لإحدى أنواع القطاني).
وبعد لحظات انطلقت كلثوم نحو الحقل وعلى رأسها قبعة من الدوم تقيها حر شمس موسم الحصاد، طفلة في الثانية عشرة تحمل في يمناها سلة من القصب فيها براد شاي وأربعة كؤوس وجبانية (سلطانية) من الطين فارغة وأخرى منتصفة بسمن بلدي يميل لونه إلى الأصفر الداكن، وقارورة صغيرة بها زيت زيتون، وفي يسراها قارورة ماء بلاستيكية سعتها خمس لترات، وقد لُفّت بقطعة من رداء صوفي وآخر من الحلفاء خِيطا عليها بعناية وطليت جنبات فمها بالقطران، وهي طريقة تقليدية من بين طرق أخرى يلجأ إليها سكان هذه الجبال لتبريد مياه الشرب، خصوصا في الأماكن التي لا يستطيعون أن ينقلوا إليها القرب التي يصنعونها من جلود الماعز.
وعلى ظهر الطفلة ربطة من الخبز وحبل طويل ستجمع فيه حزمة من الحطب لتحضرها إلى البيت عند عودتها، وستشق في طريقها ذهابا وإيابا غابة كثيفة تهتز فيها قلوب البالغين خوفا ووجلا، فما بالك ببرعومة يانعة مثلها.
هكذا هي حياة الأطفال في هذه القمم، لا يكاد الواحد منهم ينمو قليلا حتى يجد نفسه شريكا في الإنتاج ومساهما في الحياة الاقتصادية الهشة لهذه الأسر، لذلك تجدهم يرعون المواشي وهم أبناء أربع وتقدم سواعدهم النحيفة وأجسامهم الهزيلة ما تستطيع من مساعدة في الحقول، وقبل هذا وذاك تجدهم يتجشمون عناء سقي المياه من الآبار أو العيون، وبعضهم يقطعون إليها الكيلومترات.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد