بقلم: مصطفى اغلاسن.
في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، تبرز إلى السطح ظاهرة مقلقة ظلت، إلى حدود الساعة، بعيدة عن النقاش العمومي، وتتعلق بارتفاع حالات الوفاة في صفوف موظفي الوظيفة العمومية، سواء خلال فترة مزاولة العمل أو بعد الإحالة على التقاعد بمدة وجيزة.
هذه الظاهرة التي بدأت تثير الانتباه بشكل أكبر بعد جائحة كورونا، تكشف عن بعد إنساني واجتماعي عميق، يستدعي الوقوف عنده من زوايا متعددة، بعيدا عن الأرقام الجافة، ومن خلال قراءة ميدانية تستحضر تجارب ومعاناة فئة عريضة من الموظفين.
المعطيات المتوفرة من خلال تتبع ميداني بعدد من الجماعات الترابية وبعض القطاعات العمومية، تشير إلى أن الوفيات تنقسم إلى شقين رئيسيين: يتعلق الأول بوفاة موظفين قبل بلوغ سن التقاعد، نتيجة أمراض متعددة، في مقدمتها أمراض القلب والشرايين، والجلطات الدماغية، وداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، إلى جانب أمراض السرطان والاضطرابات العصبية…
أما الشق الثاني فيتعلق بظاهرة أكثر إثارة للانتباه، حيث تسجل حالات وفاة لعدد من الموظفين خلال السنوات الأولى بعد الإحالة على التقاعد، غالبا ما بين السنة الأولى والثالثة، في ما يشبه “صدمة ما بعد التقاعد”، وهي مرحلة انتقالية حساسة يواجه خلالها الموظف تحولات نفسية واجتماعية مفاجئة.
وفي محاولة لفهم أعمق لهذه الظاهرة، تبرز مجموعة من العوامل التي يربطها بعض الموظفين بهذه الحالات، من بينها الضغط النفسي المرتبط ببيئة العمل، وتراكم الأعباء المهنية، إلى جانب الإكراهات المادية، خاصة تلك المرتبطة بالقروض والالتزامات الأسرية، التي تجعل الموظف يعيش حالة من القلق المستمر.
كما يضاف إلى ذلك الساعة الإضافية، وطول ساعات العمل، وعدم أخذ فترات راحة كافية، والبعد عن الأسرة، فضلا عن ظروف العمل التي قد تفتقر أحيانا إلى الحد الأدنى من الشروط الصحية والنفسية، إلى جانب ما يصفه البعض بممارسات الشطط في استعمال السلطة داخل بعض الإدارات.
ولا يمكن إغفال بعض السلوكيات المرتبطة بنمط العيش، مثل التدخين وقلة النشاط البدني…، والتي تزيد من تفاقم الوضع الصحي للموظف، خصوصا في ظل غياب برامج حقيقية للوقاية داخل الإدارات العمومية.
ومن زاوية طبية يرى عدد من المختصين أن هذه الحالات قد تكون نتيجة تراكمات طويلة الأمد، حيث يؤدي الضغط المزمن إلى إنهاك الجهاز العصبي وارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، كما أن التقاعد المفاجئ قد يخلق فراغا نفسيا حادا، خاصة لدى من لم يهيئوا أنفسهم لهذه المرحلة.
وأمام هذه الوضعية يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن حماية الموظف، وضمان انتقال صحي وآمن نحو مرحلة ما بعد التقاعد؟
في هذا السياق تتقاطع آراء عدد من الموظفين حول ضرورة مراجعة الإطار القانوني المؤطر للوظيفة العمومية، من خلال التفكير في تخفيض سن التقاعد، أو على الأقل اعتماد صيغ مرنة تراعي خصوصية بعض المهن، إلى جانب تحسين المعاشات بما يضمن كرامة المتقاعد في مواجهة متطلبات الحياة.
كما يبرز مطلب تعزيز التغطية الصحية، وتجويد الخدمات الطبية، وتقريبها من الموظفين، خاصة في المناطق البعيدة، إلى جانب إرساء برامج للدعم النفسي والمواكبة قبل وبعد التقاعد.
ومن بين المقترحات العملية أيضا، إدماج برامج للوقاية الصحية داخل الإدارات، تشمل الفحوصات الدورية، والتحسيس بأهمية نمط العيش الصحي، وتشجيع الأنشطة الرياضية، فضلا عن تحسين ظروف العمل والحد من مصادر الضغط المهني.
كما يظل تحسين الحكامة داخل الإدارات، وتعزيز ثقافة الحوار، واحترام كرامة الموظف، من العوامل الأساسية التي قد تساهم في التخفيف من هذه الظاهرة.
إن الحديث عن وفيات الموظفين ليس مجرد رصد لحالات فردية، بل هو مدخل لطرح سؤال أعمق حول جودة الحياة داخل الوظيفة العمومية، وحول مدى قدرة السياسات العمومية على ضمان توازن حقيقي بين العمل والصحة والكرامة الإنسانية.


