بقلم: ذ.سمير المحندي دكتور وباحث تربوي سيدي إفني
أثارت نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA، الذي تشرف عليه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، نقاشا واسعا في الأوساط الإعلامية والاجتماعية والتربوية الفرنسية، بعدما أعادت دق ناقوس الخطر بشأن أداء المنظومة التعليمية الفرنسية وموقعها مقارنة بالأنظمة التعليمية العالمية الأخرى. فقد كشفت نتائج الدورة الأخيرة عن استمرار تراجع أداء التلاميذ الفرنسيين في عدد من المجالات، ولا سيما في الرياضيات وفهم المقروء، بما يضع أداء المدرسة ووظائفها ومخرجاتها موضع مساءلة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقويم انطلق رسميا سنة 2000، ويُجرى دوريا كل ثلاث سنوات تقريبا، ويستهدف أساسا التلاميذ البالغين 15 سنة. وفي دورة 2025 شمل نحو 760 ألف تلميذ عبر 91 نظاما تعليميا. ولا يقيس PISA مقدار ما يحفظه المتعلم من معارف مدرسية بقدر ما يقيس قدرته على توظيفها في وضعيات سياقية دالة، من خلال ثلاثة مجالات أساسية هي: الرياضيات، والعلوم، والقراءة أو فهم المقروء.
. وقد أُعلنت نتائج هذه الدورة في 8 شتنبر 2026، لتؤكد استمرار تفوق عدد من الأنظمة التعليمية الآسيوية، وفي مقدمتها الصين وسنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية، مقابل تراجع موقع فرنسا، التي حلت في المرتبة 27 في العلوم، و34 في الرياضيات، و28 في القراءة.
ولم تمر هذه النتائج في فرنسا مرورا عابرا؛ إذ سرعان ما تحولت الأرقام إلى أسئلة مجتمعية مقلقة: ما الذي يفسر استمرار ضعف أداء التلاميذ الفرنسيين مقارنة بأنظمة تعليمية مثل سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية؟ لماذا تبدو الصعوبات أكثر وضوحا في الرياضيات والقراءة؟ وما موقع التحولات الرقمية والاستخدام المكثف للشاشات في هذه الأزمة؟ ثم، قبل ذلك كله، من المسؤول عن هذا التراجع: المدرسة؟ الأسرة؟ السياسات التعليمية؟ أم طبيعة التحولات التي يعرفها المجتمع نفسه؟
لكن السؤال الأهم يظل مرتبطا بحدود المقارنة ذاتها: هل يمكن نقل النموذج التعليمي الآسيوي إلى السياق الفرنسي، أم أن النجاح التعليمي يتشكل داخل منظومة معقدة من الشروط والعوامل المتفاعلة، بما يجعل نقل تجربة ناجحة من سياق إلى آخر، دون مراعاة خصوصياته، أمرا ينطوي على قدر من الاختزال؟ إذ تتداخل في تشكيل النتائج عوامل متعددة، من الثقافة التعليمية ومكانة المدرسة وانتظارات الأسر، إلى تكوين المدرسين وتنظيم المسارات الدراسية وفعالية آليات التقويم والدعم.
وإذا كان النقاش الفرنسي قد تعامل مع نتائج PISA باعتبارها مناسبة لمساءلة المدرسة وسياساتها واختياراتها، فإن السؤال المغربي يبدو أكثر إلحاحا. فقد شارك في الدورة الأخيرة نحو 7000 تلميذ مغربي ضمن عينة وطنية ممثلة، وانتهت النتائج إلى مستويات أداء فادحة وشديدة الانخفاض مقارنة بمتوسط OECD، خصوصا في القراءة والرياضيات.
المفارقة أن التعامل مع هذه النتائج في المغرب اتجه، في بعض الخطابات الرسمية، إلى تفسير الأرقام أكثر مما اتجه إلى مساءلة دلالاتها التربوية؛ من قبيل القول إن العينة لا تمثل تلاميذ «مدارس الريادة». غير أن مثل هذه التبريرات لا تعفي الوزارة الوصية من مسؤوليتها في قراءة النتائج وما تكشفه من اختلالات في التعلمات، ولا من مسؤولية تحويلها إلى أساس لمراجعة الاختيارات والسياسات المعتمدة. فهل يكفي تفسير حدود العينة لإزاحة السؤال الحقيقي؟ وهل ينبغي أن ننتظر دورة جديدة حتى نعرف ما إذا كانت الإصلاحات الجارية قد أحدثت تحولًا فعليًا في الكفايات؟
لعل الأهم في نتائج PISA 2025 ليس ترتيب المغرب الصادم بقدر ما تكشفه هذه النتائج عن واقع التعلمات داخل المدرسة المغربية، وعن قدرتها على بناء الكفايات الأساس لدى المتعلمين. فهل سنحوّل هذه الأرقام إلى مدخل حقيقي لتشخيص اختلالات المنظومة التربوية ومراجعة اختياراتها، أم ستظل مجرد نتائج تُستقبل بالتبرير والتقليل من دلالاتها؟ وإلى متى يمكن تأجيل معالجة هذا العجز في التعلمات، قبل أن يصبح أكثر كلفة وأصعب استدراكا؟


