كرست المملكة المغربية وعبر حركاتها الصوفية وزواياها الممتدة الى العمق الإفريقي ، وتنظيمها للحقل الديني ومرجعية الإفتاء عبر المجلس العلمي الأعلى ، إستثناءا في مواجهة كل أشكال الإنحراف التي تختفي تحت لباس ديني يضل الإسلام بريئا منه .
وهنا أعود بك عزيزي المتلقي الى جانب من خطاب الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة ذكرى عيد العرش المجيد لسنة 2015 ،حيث قال فيه جلالته : ” وخير ما أختم به خطابي لك، شعبي العزيز، أن أذكرك بصيانة الأمانة الغالية التي ورثناها عن أجدادنا، وهي الهوية المغربية الأصيلة التي نحسد عليها.
فمن واجبك الوطني والديني الحفاظ على هويتك، والتمسك بالمذهب السني المالكي الذي ارتضاه المغاربة أبا عن جد.
ولا تنسى لماذا ضحى المغاربة بأرواحهم في الحرب العالمية الأولى والثانية، وفي مختلف بقاع العالم. ولماذا نفي جدنا المنعم جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه.
لقد كان ذلك من أجل نصرة القيم الروحية والإنسانية، التي نؤمن بها جميعا. كما نحارب اليوم ضد التطرف والإرهاب.
فهل هناك سبب يدفعنا للتخلي عن تقاليدنا وقيمنا الحضارية القائمة على التسامح والاعتدال، واتباع مذاهب أخرى لا علاقة لها بتربيتنا وأخلاقنا ؟
طبعا لا. فلا تسمح لأحد من الخارج أن يعطيك الدروس في دينك. ولا تقبل دعوة أحد لاتباع أي مذهب أو منهج، قادم من الشرق أو الغرب، أو من الشمال أو الجنوب، رغم احترامي لجميع الديانات السماوية، والمذاهب التابعة لها.
وعليك أن ترفض كل دوافع التفرقة. وأن تظل، كما كنت دائما، غيورا على وحدة مذهبك ومقدساتك، ثابتا على مبادئك، ومعتزا بدينك، وبانتمائك لوطنك.”
فالمؤسسة الملكية هي الضامنة لوحدة الأمة و إستمراريتها ، فالملك أمير المؤمنين خوله الدستور تمثيل الإجماع الروحي لدى الأمة المغربية التي تستضل به كافة مكوناتها مع مراعاة الجانب الوجودي للإنسان بتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض و توحيد العبودية لله ، وأن يكون الإنسان صالحا لأهله ووطنه وللإنسانية جمعاء .
إنه ياسادة ، أساس ضرورة الوجود الإنساني والذي يمنح العقيدة معناها القدسي ألى جانب العبادة و المعاملات والتي تكرم الإنسان في حياته وشرفه وحريته .
إلى جانب إعتبار الملك رئيس الدولة يكفل إحترام الدستور والمؤسسات وفق المفهوم المتقدم لفصل السلط وتكريس إرادة الأمة المعبر عنها عبر الإقتراع الحر والنزيه.
فاذا كان توجه المملكة الديمقراطية الإجتماعي مصدر قوة بإعتباره يمثل دروة ما توصل إليه الفقه الدستوري ،فإن الإمارة والبيعة أساسان للهوية المغربية والذي يسمح بتفاعل العقل والنقل ، لأن الأمم لا تحيا بالماديات فقط وإنما تنتعش عبر رصيدها الروحي وغنى موروثها الحضاري وتفاعل أدوارها الإيجابية في نشر قيم السلم والإخاء والإحترام المتبادل الذي هو أساس العلاقات الدولية .
ومن المسلم به أن إسلام المغرب وعروبته وأمازيغيته وأفقه الإفريقي والمتوسطي وتجامس ثقافته وإنتمائه ،كلها مدخلات محصنة تشكل قوة ومتانة الهوية الوطنية .
فالمغرب وعبر إفريقيا والعالم أعطى النمودج الرائد في الإنتساب الديني الإسلامي السني الصحيح المبني على الوسطية والإعتدال.
وهذا ما كرسه الإمتداد الصوفي المغربي نحو إفريقيا عبر زواياه الدينية خاصة في فترة يواجه فيها العالم ، والقارة السمراء خاصة ، مخاطر التطرف والإرهاب اللذان ينشطان تحت خلفية دينية مدهبية و سياسية .
ففي الإدراك العميق للإسلام دينا ومعاملات تحضر مفاهيم العدل والإخاء والمساواة وعدم التمييز والإحتكام الى الشرع والقانون ، والتي لوحدها كفيلة برسم حدود العلاقات داخل المجتمع الإنساني الواحد .
إن تجربة المملكة المغربية في الوسطية والاعتدال ونبد التطرف ونشر قيم الدعوة الإسلامية الحقة كرستها "مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة" ، والتي تعتبر الأولى من نوعها على صعيد توجيه علماء المغرب والأقطار الإفريقية من أجل التعريف بالقيم السمحة للعقيدة الإسلامية ونشرها والتصدي لكافة النزعات التي تستهدف صورة الإسلام والمسلمين ،خاصة لما أضحت تعرفه العديد من الدول الإفريقية من تغلغل للحركات والتنظيمات الإرهابية المتطرفة والتي إتخدت لها قواعد جديدة بدول الساحل والغرب الإفرقي، كتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أحد فروع ما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامي، وجماعة بوكو حرام و وعصابات إرهابية تدعمها دولة أو أكثر من أجل زعزعة الأمن والسلم بشمال غرب إفريقيا ،في ظل الإنفلات الأمني وغياب الإستقرار وإستشراء ظاهرة تجارة الأسلحة والتهريب والمخدرات والاتحار بالبشر والهجرة غير الشرعية ...
في هذه الاجواء غير المستقرة لأنظمة إفريقية والتي أضحت مطالبة بتحصين حدودها وإعادة النظر في مقوماتها الاقتصادية وحماية ترواثها الطبيعية للتخلص من غطرسة وتوجيهات قوى مجاورة هدفها الزعامة ولو على حساب الأمن والإستقرار وحقوق الإنسان .أقول في ذات السياق ، و المد الروحي للمملكة المغربية نحو إفريقيا ، أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله أن المغرب يهدف :” الى دعم جهود البلدان الإفريقية الشقيقة من أجل بناء إقتصادات قوية ،ومن خلال نقل الخبرات وتكوين الموارد البشرية والاستثمار في المجالات الحيوية للإقتصاد وحشد الموارد .”
وكل ذلك من أجل ميلاد إفريقيا جديدة …
ذ/ الحسين بكار السباعي
محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان.

