في الحقل تراءت لـ”مُوحْ” وزملائه الحصّادين مشية كلثوم النحيفة وهي تتمايل يمنة ويسرة لثقل ما تحمله، وخفتت أهازيجهم التي كانوا يسلون بها أنفسهم، وبدأوا يستعدون لتناول وجبة الغذاء، بعضهم يكمل ربط ما بيده من شعير ويلقيه جانبا، وبعضهم يكمل حصد ما بدأ، وبعضهم يلقي عنه “تبنكا” (لفظة أمازيغية لرداء من البلاستيك يضعه الحصاد على صدره وبطنه ليتقي به الأشواك ولسعات السنابل) ويُخلّص أصابعه من القصبات التي تحميها من ضربات المنجل المحتملة في خضم الحصاد.
ـ ضعيه تحت دوحة البلوط تلك يا ابنتي. كيف حال أختك؟ ألم تفرج كربتها بعد؟ سألها مُوحْ
ـ بلى بلى. لقد وضعت ولدا قبل قليل.
وتعالت الأصوات بتهنئة مُوحْ، ولهجت الألسنة بحمد الله، وخاطبه عْدّي (ينطقها الأمازيغ بتسكين العين وتشديد الدال وكسرها):
ـ ألم أقل لك إنها ستفرج بإذن الله؟ ماذا ستسميه؟
ـ مُحْمّادْ إن شاء الله
كذلك ينطق أمازيغ هذه الجبال اسم محمد، ويكثرون من تسمية أبنائهم به، خصوصا الأبكار منهم، تيمنا باسم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم “يتحايلون” في ذلك ليستكثروا من هذا التيمن، فيسمون في الأسرة الواحدة “مُحْمّادْ” و” مُحْمّادْ أَمْزّانْ” (محمد الصغير) وبعدما يكبر ” مُحْمّادْ ” ويبلغ سن الرشد والنضج يبدؤون بمناداته “مُوحْ”، ويسمون أيضا “امْحْمْدْ” و”مُوحْمْدْ” و”مُوحْنْدْ” و”مْحَا”، كما ينطقون اسم أحمد “حْمادْ” ويشتقون منه أسماء أخرى مثل “حْمْدْ” و”حْمِّي”، وهكذا أسماء كلها تدور في فلك حب الرسول عليه الصلاة والسلام والتيمن به.
وكذلك يفعلون مع أول بنت يرزقون بها، فهم يسمونها فاطمة تيمنا ببنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يسميها “فاضمة” أو “فطّومة”، ومنهم من يسميها الزهراء، المهم أن يشعروا أنهم يحيطون أنفسهم بأسماء كثيرة مستوحاة من اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أسماء آل بيته الطيبين الطاهرين.
وفي البيت بدأت النساء يفدن للتهنئة بالمولود الجديد، تكدسن في غرفة صغيرة بنيت جدرانها بالحجر الأزرق الأصم، تتخلله بعض قطع من حجر رملي خشن يسمونه في هذه المناطق “أفزا”. أما السقف فعبارة عن أعمدة عريضة من جذوع الشجر تربط بين الجدار والجدار، وتفصل بينها مسافات متساوية، وعليها صُفّت ورُصّت أعمدة صغيرة، وضع عليها بعد ذلك خليط من القش وأوراق الدوم، ثم غُطِّيت بطبقة سميكة من التراب الأحمر.
ميزة هذه البيوت أنها دافئة في الشتاء باردة في الصيف، لكن فيها أيضا متاعب لا تعد ولا تحصى، ففي الشتاء عند أول هطول للأمطار لا بد أن ترى على سطح كل بيت أحد أفراد الأسرة وهو يمسح بقبضة من أغصان نبات الدفلة أو الخروب أو البلوط تراب السطح المبلل كي يصبح متجانسا ويمنع تسرب قطرات المياه من السقف، وكثيرا ما تجد باقي أفراد الأسرة يهرولون في الداخل هنا وهناك يسابقون القطرات المتسربة ويضعون تحتها ما تقع عليه أيديهم من الأواني في انتظار أن تنجح عملية المسح على السطح وتجد مياه الأمطار سبلا سالكة إلى “تيمازّْرين”، وهي ألواح خشبية مقعرة على هيئة قنوات توضع على جنبات السطح لتصريف هذه المياه.
وفي مثل هذه الظروف يكون الاستنفار أكثر لحماية الغرف التي يخزن فيها التبن أو الحبوب أو “أساغور” وهو العشب المجفف، وتليها في الأهمية تلك التي تأوي المواشي والأنعام والدواب، ولا غرو فعليها تنبني آمالهم وأحلامهم وحولها تدور حياتهم اليومية.
أما إذا جادت السماء بقطع من الثلج ونسجت منها الأرض رداء أبيض ناصعا، فتلك معاناة أخرى، إذ لابد من تخفيف هذا العبء الأبيض عن سطوح البيوت بآلات خشبية يصنعها السكان خصيصا لهذا الغرض ويسمونها “أَسْفْرْضْ”، ولا بد من بذل جهود مضاعفة لإبعاد ما تراكم من هذه الثلوج حتى لا تحاصر البيت وتغلق مداخله أو تعيق المسالك إليه.
وفي الصيف تكون جدران هذه البيوت المتواضعة وسقوفها ملجأ لكثير من الزواحف والحشرات، وإذا كنت جالسا فسقط عليك شيء من التراب أو القش أو بقايا رواسب الدخان العالق بأعمدة هذه السقوف، فاعلم علم اليقين أن ذلك بفعل فأر يجري أو ثعبان يطارده بين هذه الأعمدة، أو في أحسن الأحوال بفعل سحلية تبحث عن حشرات من تلك التي تأوي العشرات منها هي الأخرى إلى هذه السقوف.
في ركن من الغرفة تستلقي رقية منهكة على فراش وتحت غطاء متواضعين، وإلى جانبها رضيعها الملفوف في خرق من الملابس القديمة التي مزقتها من قبل وأعدتها لهذا الغرض، وبعضها كان هدية من بعض الجارات بعد أن كبر فيها أولادهن واحتفظن بها لينتفع بها غيرهن في مثل هذه المناسبة.
يرقد الرضيع على بطانية متهالكة في قفة صغيرة من الدوم، يعلوها غطاء شفاف ورقيق يقيه الإزعاج المتكرر للذباب، الذي هو الآخر ضيف دائم ومألوف في هذا المحيط وهذه البيئة القاسية، ومن حين لآخر ترفع إحدى الزائرات ذلك الغطاء وهي تردد أدعية وتضع بجانب الولد ما استطاعت من نقود هدية منها بهذه المناسبة، وهي في الغالب هدايا لا تتعدى قطعا نقدية من فئة خمسة أو عشرة أو عشرين أو خمسين سنتيما، وعلى قلة قيمتها لكنها عندما تجتمع تصبح مبلغا لا يستهان به، ولا بد أن يسد للأسرة مسدا ويملأ لها ثقبا من ثقوب كثيرة تحيط بحياتها من كل جانب.
وبعض النساء ممن لم يجدن مالا تكون هداياهن بعضا من الشعير أو القمح أو حفنة من التمر أو التين المجفف، أو قليلا من الجوز أو اللوز، وربما قطعا من السكر أو الصابون، كل شيء في هذه الجبال يصلح لأن يكون هدية، ويمكن أن ينفع في كل وقت وحين، مهما قل ومهما كان، فالسكان هنا علمتهم الحياة ألا يحقروا أي شيء، حتى لو كان قشة أو حجرا.
تتجاذب النسوة أطراف الحديث وهن يرتشفن الشاي، ويهنئن عائشة على سلامة ابنتها، ويذكرنها أن ما عانته في الأيام الثلاثة أهون بكثير مما تعرضت له أخريات من قريتها أو من القرى المجاورة، ويبدأن في سرد قصص كثيرة لنساء فاضت أرواحهن أثناء الطلق ورحلن إلى الدار الآخرة وأجنتهن في أرحامهن، وأخريات جاءهن المخاض واستشهدن تاركات رُضّعهن يكبرون على حليب الماعز والغنم، وأخريات تسببت لهن ولموالديهن ظروف الولادة السيئة في عاهات مستديمة وأضرار نفسية غائرة.
ومن حين لآخر تدعوهن عائشة -كما هي عادة نساء القرية في مثل هذه المناسبات- لأن يخضبن وجناتهن وجباههن بقليل من الحناء خلطته لهن في قدر من الطين، وتعرض على من شئن منهن أن يكحلن عيونهن ويزين أفواههن بمضغ سواك من قشرة أشجار الجوز أو أوراقها، بعضهن يتمنّعن ويعتذرن بأدب أو يكتفين مما يعرض عليهن بشيء قليل جدا يفي بغرض الإكرام وإجابة الدعوة، وبعضهن يهتبلن الفرصة ليلتفتن قليلا إلى أنفسهن ويتزينّ، فنادرا ما تتاح لهن مثل هذه الفرصة.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
