الصحافة المغربية من سلطة أخلاقية إلى محتوى بلا بوصلة؟ بقلم مصطفى اغلاسن.

بقلم: مصطفى اغلاسن

ليست كل الحوارات الإعلامية تمر مرور الكرام، فبعضها يوقظ أسئلة مؤجلة، ويعيد إلى الواجهة نقاشا يبدو وكأنه مرحل ومؤجل باستمرار، من هذا القبيل جاءت حلقة بودكاست “بصيغة أخرى” التي يقدمها الشاب حمزة الفضيل، واستضاف فيها الكاتب والصحفي نور الدين لشهب، أحد مؤسسي الجريدة الإلكترونية العريقة في المشهد الإعلامي المغربي “هسبريس”، حيث انتقل الحديث عن الصحافة بالمغرب من مجرد توصيف للواقع إلى مساءلته بجرأة ومسؤولية.

ما يلفت في هذا النقاش ليس فقط المسار المهني للضيف، بل تلك المسافة الصريحة التي تحدث بها عن المهنة، وكأن الصحافة نفسها باتت موضوع قلق دائم، أكثر من كونها أداة للفهم والتنوير، فبين التحولات الرقمية المتسارعة، وتغير أنماط الاستهلاك الإعلامي، يجد الصحفي المغربي نفسه محاصرا بإكراهات متعددة: مادية، مهنية، وأخلاقية.

لقد أفرز الانتقال إلى الإعلام الرقمي واقعا جديدا، لا يمكن إنكار ما يحمله من فرص، لكنه في المقابل فتح الباب أمام فوضى غير مسبوقة، ومنافسة غير متكافئة، أخلت بمبدأ تكافؤ الفرص بين المقاولات الإعلامية سواء على الصعيد الوطني أو الجهوي، فسهولة النشر، وسباق ”السبق”، واللهاث وراء التفاعل، سواء الحقيقي منه أو المزيف ”المدفوع”، جعلت الجودة في كثير من الأحيان ضحية لمنطق الأرقام، أرقام قد تخدع في ظاهرها، لكنها تسهم في تضليل المتلقي وإضعاف منسوب الثقة بينه وبين الإعلام، وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ما نعيشه اليوم هو تطور طبيعي للصحافة، أم انزلاق بطيء نحو تفريغها من رسالتها؟

في هذا السياق تعود إشكالية أخلاقيات المهنة إلى الواجهة بإلحاح، فخلال سنوات قليلة سقط جزء من الإعلام الوطني عموما في منزلق خطير ولا يبشر بالخير، اتسم بالميوعة والانفلات القيمي، والمساس بالحياة الخاصة والكرامة الإنسانية للغير، وقد ساهم في ذلك غياب التكوين المستمر، وهشاشة الوضع الاجتماعي لعدد كبير من الصحفيين، وتراجع شروط العمل اللائق…

كما لا يمكن تجاهل تأثير الدعم المادي، سواء الداخلي أو الخارجي، حين يتحول من آلية للمواكبة إلى أداة للتحكم في الخطوط التحريرية لبعض المنصات والمقاولات الإعلامية، وهي عوامل مجتمعة تنتج صحافة بلا بوصلة واضحة، قلقة ومضطربة، وأحيانا خاضعة لإكراهات السوق السياسية ومنطق الربح غير المنضبط، وضغوط أخرى يعرفها الكثير من المتتبعين، وهنا يستحيل الحديث عن صحافة قوية دون صحفي محمي أخلاقيا وماديا، مكوَن، وواع بدوره ومسؤوليته أمام وطنه ومجتمعه.

الأخطر من ذلك أن النقاش العمومي الدائر منذ مدة حول إصلاح المنظومة الإعلامية الوطنية، كشف عن اختلالات عميقة تصاغ فيها القوانين أحيانا بمنطق المقاس، داخل دوائر مغلقة، بعيدا عن الصحفي الذي يشتغل في الميدان، ويكابد يوميا من أجل تنوير الرأي العام، وتنبيه المسؤولين إلى أعطاب التنمية وتوقف عجلاتها هنا أو هناك.

في هذا المناخ تختلط المهنية بالارتجال، والنقد بالتشهير، والرأي بالمعلومة، وتدفع الصحافة إلى منطقة رمادية تفقد فيها وظيفتها الأساسية.

إن ما راكمه جيل من الصحفيين، يضعنا اليوم أمام مسؤولية جماعية واضحة: إما إعادة الاعتبار لمهنة المتاعب، باعتبارها سلطة أخلاقية ورقابية، قائمة على نكران الذات وخدمة الصالح العام، أو القبول باستمرار وضع أكثر فظاعة، يفرغ الصحافة من معناها، ويحولها إلى مجرد محتوى فارغ، فاقد للجوهر والقيمة.

لا شك أن الصحافة والإعلام عموما بالمغرب في حاجة اليوم، قبل الغد إلى وقفة صريحة وجادة، بل إلى ما يشبه عملية جراحية عميقة وعاجلة، من أجل استئصال الأعطاب والأورام التي نخرت هذا الجسم المنهك، بفعل طعنات متعددة، بعضها من الداخل وبعضها الآخر من الخارج، في سياقات معقدة تجعل الإصلاح أكثر إلحاحا وصعوبة من ذي قبل.

فصحافتنا اليوم في حاجة إلى مراجعة حقيقية تبدأ من الداخل، ومن أسئلة قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية، وقفة تعيد للصحفي مكانته ورمزيته داخل المجتمع، وتحميه من الانزلاق تحت تأثير سوق الإشهار أو الدعم المشروط، حين تتحول هذه الآليات من وسائل دعم إلى عوامل تشويش على البوصلة المهنية، أو أدوات لتصفية الحسابات والمساس بكرامة الناس.

قد لا تقدم هذه الحلقة من بودكاست “بصيغة أخرى” أجوبة نهائية، لكنها تفتح نقاشا صحيا وضروريا، وتذكر بأن استعادة الثقة في الصحافة الوطنية الجادة تمر عبر محتوى مسؤول، وأقلام حرة، تشبه تلك التي صنعت مجد الصحافة المغربية في زمن قريب، حين كانت الجرائد تقتنى بحب، وتقرأ بتمعن، وتناقش في المقاهي والفضاءات الثقافية بشغف، رغم الاختلافات الإيديولوجية والفكرية. فهل نحن أمام صحافة قادرة على استعادة ذاكرتها ورسالتها في ثوب جديد؟ أم أننا نودع بصمت زمن الأقلام الحرة إلى غير رجعة؟

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد