بقلم: عمر بنعليات
ليست قوة الدولة في عدد الخطب، ولا في كثرة اللقاءات الرسمية، ولا في الاحتفاء السنوي بمغاربة العالم، بل في احترام القانون، وتنفيذ الأحكام القضائية، وضمان المساواة بين المواطنين. فدولة الحق والقانون لا تُقاس بالشعارات، وإنما بمدى خضوع الإدارة للقانون، مهما كانت صفة المسؤول أو منصبه.
وتُعد قضية السيد أحمد حوري, مواطن مغربي، مهاجر سابق متقاعد، نموذجًا صارخًا لهذا الاختلال بالإقليم. فالرجل، استوفى جميع المساطر القانونية والإدارية، ولجأ إلى القضاء الذي أنصفه ابتدائيًا واستئنافيًا، وأقر بحقه في الحصول على الشهادة الإدارية. ومع ذلك، لا يزال القائد المكلف بالمقاطعة يرفض تنفيذ الأحكام القضائية، وكأن إرادته الشخصية أصبحت أقوى من سلطة القضاء، بل وأقوى من هيبة الدولة نفسها، ومن مبدأ سيادة القانون الذي يُعد أسمى تعبير عن إرادة الأمة.
والأخطر من ذلك أن هذا الملف لم يعد خافيًا على أحد. فقد بلغ علم مختلف المسؤولين بالإقليم، من سلطات ترابية ومنتخبين وإدارات معنية، كما طُرح بشكل مباشر خلال لقاء اليوم الوطني للمهاجر للسنة الماضية، حيث قُدمت للرجل وعود صريحة بإنهاء هذا الملف وإنصاف صاحبه. غير أن تلك الوعود بقيت، إلى حدود كتابة هذه السطور، دون أثر عملي، وهو ما يطرح سؤالًا مؤرقًا: هل أصبحت الدولة عاجزة عن إلزام أحد ممثليها باحترام القانون وتنفيذ الأحكام القضائية؟
هل هناك جهات نافدة تتحدى القضاء وتدير هدا الملف العقاري في الخفاء متخدة الإدارة كأداة التنفيد ؟
أسئلة تبقى مشروعا مادام القانون عاجزا عن التنفيد،
وللتأكيد على أن الحلول ممكنة متى توفرت الإرادة، يكفي استحضار ما وقع خلال اليوم الوطني للمهاجر لسنة 2024، عندما تقدم أحد المهاجرين بمداخلة قوية وصريحة أمام السيد العامل السابق، كشف فيها ما تعرض له من تعسف وظلم وحرمان من الشهادة الإدارية، رغم استيفائه لجميع الشروط القانونية. وقد كان تدخل السيد العامل آنذاك حاسمًا، حيث أصدر تعليماته بإنصاف المواطن، فاستعاد حقه في آجال معقولة، وهو ما يؤكد أن الإدارة تملك الوسائل الكفيلة بتصحيح اختلالاتها متى توفرت الإرادة الحقيقية لفرض احترام القانون.
غير أن هذا المشهد يتناقض بشكل صارخ مع قضية السيد أحمد حوري، الذي استُقبل من طرف كبار المسؤولين بالعمالة، وتلقى وعودًا متكررة بإيجاد حل، إلا أن تلك الوعود لم تتحول إلى قرار إداري حاسم يعيد إليه حقه. فالوعود، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن التنفيذ الفعلي للقانون.
كما تستحضر هذه القضية حالة مماثلة عرفها إقليم اشتوكة آيت باها، حين رفضت السلطة المحلية منح شهادة إدارية لمهاجر مغربي مقيم بفرنسا، رغم صدور حكم قضائي لصالحه. غير أن تدخل السلطات المختصة آنذاك ألزم الإدارة باحترام القانون وتنفيذ الحكم، بما أعاد الاعتبار لهيبة الدولة وللقضاء.
إن تكرار مثل هذه الحالات لا يمكن اعتباره مجرد وقائع معزولة، بل هو مؤشر على وجود خلل حقيقي في علاقة بعض الإدارات بالقانون، وخلل أخطر في آليات مراقبة تنفيذ الأحكام القضائية. فالمهاجر المغربي، الذي تعود في بلد الإقامة على أن الأحكام القضائية تُنفذ باسم القانون، يجد نفسه في وطنه أمام واقع مختلف، حيث قد يتحول حكم قضائي نهائي إلى مجرد وثيقة لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
فأي رسالة نوجهها اليوم إلى مغاربة العالم، وإلى جميع المواطنات والمواطنين؟ هل نطلب منهم الاستثمار في وطنهم، بينما يعجز بعضهم عن الحصول على أبسط حقوقه الإدارية رغم صدور أحكام قضائية نهائية لصالحه؟ وهل يمثل السيد القائد الدولة في تطبيق القانون، أم أنه ينفذ قناعاته الشخصية أو نزواته في تعارض صريح مع القانون؟ وهل ما يحدث يعكس سياسة مؤسساتية، أم أنه مجرد ممارسات فردية تسيء إلى صورة الدولة ومؤسساتها؟
إن احترام القانون ليس منّة من الإدارة، وتنفيذ الأحكام القضائية ليس خيارًا يخضع للمزاج أو لتقدير موظف، بل هو واجب دستوري وقانوني. وإذا أصبحت الأحكام القضائية النهائية غير قابلة للتنفيذ، فما جدوى اللجوء إلى القضاء؟ وما قيمة استقلال السلطة القضائية إذا بقي تنفيذ أحكامها رهين إرادة الإدارة أو رغبات بعض موظفيها؟
إن منطق الدولة لا يُبنى على الوعود، ولا على الاستقبالات الرسمية، ولا على الاحتفال بمغاربة العالم يومًا واحدًا في السنة، بل يُبنى على سيادة القانون، وعلى خضوع الجميع له دون استثناء. فالدولة القوية ليست تلك التي تنتصر لموظفيها، وإنما تلك التي تنتصر للقانون، ولو كان ذلك في مواجهة أحد ممثليها.
إن السيد أحمد حوري لا يطالب بامتياز، ولا يلتمس معاملة خاصة، وإنما يطالب بحق كرسته الأحكام القضائية النهائية. لذلك فإن حسم هذا الملف لم يعد مجرد إنصاف لمواطن، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة مؤسسات الدولة على فرض احترام القانون على جميع ممثليها، وترسيخ الثقة في الإدارة، وإرسال رسالة واضحة إلى مغاربة العالم مفادها أن المغرب لا يُحكم بالأهواء، بل بسيادة القانون.
ويبقى السؤال معلقًا أمام ممثلي الدولة بالإقليم، وأمام كل المؤسسات المعنية بحماية دولة الحق والقانون: متى تنتصر الدولة للقانون؟ ومتى يصبح تنفيذ الأحكام القضائية التزامًا لا يقبل التأويل أو التعطيل؟ لأن هيبة الدولة لا تتحقق بحماية من يمتنع عن تطبيق القانون، وإنما بإلزام الجميع بالخضوع له دون تمييز أو استثناء.
وفي انتظار تدخل حازم وحاسم من السيد عامل الإقليم لوضع حد لهذا الملف، ستظل هذه القضية نقطة سوداء في علاقة الإدارة بالمواطن، واختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة مؤسسات الدولة على فرض سيادة القانون على جميع ممثليها، دون استثناء، حمايةً لحقوق المواطنين وصونًا لهيبة الدولة.

