بقلم: مصطفى اغلاسن.
في كل مرة يعود فيها الباحثون إلى نبش ذاكرة الجنوب المغربي، يطل علينا إقليم سيدي إفني بصفته رقعة جغرافية لا تختزل فقط حكاية موقع ساحلي جميل، بل تاريخا مركبا من التفاعل، والمقاومة، والانفتاح، الإصدار الأكاديمي للدكتور الحسين حيديدي حول “تاريخ العلاقات الجوارية لإقليم سيدي إفني خلال العصر المعاصر” يقدم نموذجا لما يجب أن تكون عليه الكتابة التاريخية الجادة: كتابة تنطلق من قراءة علمية للوثائق والوقائع، لكنها في الوقت ذاته تنحاز لذاكرة الإنسان الإفناوي الذي صنع تاريخه بإرادته.
ما يثير الانتباه في هذا العمل ليس فقط توثيقه للروابط بين إفني ومحيطها القبلي والجغرافي، بل جرأته في تفكيك الصور النمطية التي طالما أحاطت بتاريخ المنطقة، فالكاتب لم يقدم إفني كمنطقة هامشية أو تابعة، بل كفضاء حي تحكمت في مساره عوامل التبادل التجاري، والتلاحم الاجتماعي، والنضال ضد الاستعمار الإسباني، لقد استطاعت قبائل أيت باعمران، كما يوضح المؤلف، أن تحافظ على توازنها الداخلي رغم محاولات العزل والاختراق التي مارستها القوى الاستعمارية منذ بدايات القرن العشرين.
ويحسب للباحث أنه أعاد قراءة العلاقات الجوارية في سياقها التاريخي الواسع، باعتبارها ليست فقط علاقات قرب جغرافي، بل أيضا روابط إنسانية ومجتمعية امتدت عبر الأسواق، والمصاهرات، والتحالفات، ومواجهات الاحتلال، وهو بذلك يربط الماضي بالحاضر في محاولة لفهم كيف شكل هذا الرصيد من التضامن والتعاون الأساس الذي تقوم عليه اليوم روح العمل الجماعي والمبادرات المحلية بإقليم سيدي إفني.
إن هذا الإصدار يكتسب أهميته أيضا لأنه يعيد الاعتبار للبحث الأكاديمي الجهوي في زمن طغت فيه السرديات السريعة على حساب العمق والتحليل، فالتاريخ كما يبرز الكتاب، ليس مجرد صفحات من الماضي، بل هو مرآة لفهم التحولات الراهنة وبناء رؤية مستقبلية أكثر وعيا بخصوصيات المنطقة ومكانتها ضمن المشهد الوطني.
لقد كانت سيدي إفني ولا تزال، رمزا للممانعة والانفتاح معا، ممانعة في وجه الاستعمار، وانفتاح على ثقافات الجوار ومجالات التعاون الإنساني، ومن هنا تأتي أهمية مثل هذه الدراسات التي تذكرنا بأن الهوية الإفناوية لم تصنع صدفة، بل تبلورت من رحم التاريخ والمجتمع، ومن تضحيات أجيال ظلت تؤمن بأن الجغرافيا لا تصنع الحدود، بل تفتح آفاق التلاقي.
ختاما أعزائي القراء، فإن هذا العمل العلمي يذكرنا بأن الإعلام الجهوي بدوره يحمل مسؤولية موازية لما يقوم به البحث الأكاديمي، فكما يحفظ المؤرخ الذاكرة من النسيان، يسهم الإعلامي الجاد في إبرازها وإيصالها إلى عموم الناس، ومن هنا يصبح التلاقي بين الباحث والمؤسسة الإعلامية ضرورة لتقوية الوعي المحلي وترسيخ الانتماء للمجال، لأن التاريخ حين يروى بصدق، يتحول إلى طاقة بناء في الحاضر ودافع للأمل في المستقبل.


