عبدالله بوشطارت يدون : عبدالوهاب بلفقـيه الزعيم النبيه

بات من المؤكد أن المرحوم “عبدالوهاب بلفقيه” ينتمي إلى طينة الشخصيات السياسية الوطنية الكبيرة التي كانت تتمتع بموهبة قل نظيرها في التنظيم والتأثير والتفاعل الدائم والمستمر. ليس لأنه شخصية خرافية أو أسطورية، ولكن نتيجة ما كان يمتاز به الرجل من خصال أخلاقية حميدة وقُدرات هائلة وديناميات كبيرة، جعلت منه “الشخصية ذات الكاريزما” في العمل السياسي والتنظيمي ليس فقط في جهة وادنون ولكن على المستوى الوطني بالنظر إلى مكانته والمناصب التي تقلدها داخل البرلمان لعدة سنوات، وأيضا؛ إلى شبكة علاقاته مع مختلف الأوساط السياسية وداخل أجهزة الدولة المتعددة. لذلك فكان المرحوم بلفقيه استثنائيا قل مثيله وسط النخب السياسية المغربية. فهو السياسي الشاب القادم من الهوامش وراء الأطلس على مبدأ الصحراء إلى دهاليز الرباط ودسائسها، وتمكن من فرض وجوده وشخصيته وذاته السياسية بقوة داخل الصالونات السياسية الضيقة، ولم يكن مثل الكثير من المنتخبين والسياسيين الذين يصعدون من الجهات إلى المركز ويؤدون أدوارهم تحت الظل في اطار طقوس “عبور سياسي” سرعان ما يطويها النسيان مع نهاية ولايتهم الانتدابية، بل هو فرض نفسه ووجوده كزعيم سياسي بفعل ما يتمتع به من “الكاريزما”. كما نظر لها السوسيولوجي الألماني “ماكس فيبر”.
وليس من السهل تملك هذه الكاريزما في النسق السياسي المغربي الذي تهيمن عليه نخب اقتصادية ومالية وسياسية استمدت هيمنتها من جذور تأسيس الدولة الوطنية بدعم كبير من أوساط الاستعمار الفرنسي والأوساط المخزنية فيما بعد، حيث تشابكت العلاقات التجارية والمالية والحزبية بالمصاهرة والقرابة فتشكلت أقلية من العائلات تتماسك خطوطها وتتمدد لتهيمن على كل مفاصل الدولة ومنابع الثروات والموارد. وتمددت تلك الخطاطة إلى الجهات والمناطق البعيدة عن المركز، فقد كان الاستعمار ينسج علاقات تجارية ومصلحية مع بعض العائلات القليلة جدا في الآقاصي البعيدة التي ورثت القوة والنفوذ من المعمرين حيث فُتحت لهم أبواب التجارة والاحتكار منذ سنوات الاستقلال، وصار المخزن على نفس المنوال وعزز هيمنة تلك العائلات بواسطة آلية التعيين، فمزجوا بين المناصب المخزنية وبين تراكم الأموال واحتكار التجارة في بعض المواد الأساسية، خاصة المحروقات، وهو ما جعل اليوم هذه العائلات تحتكر الحزبية بالمغرب وتبسط يدها على الحكم مركزيا وجهويا.

كيف يمكن لنا مقاربة تجربة “عبدالوهاب بلفقيه” السياسية والاجتماعية والانتخابية؟ بأي منظور يمكن لنا ذلك؟
من وجهة نظري، أعتقد أن هذه الشخصية بالرغم من أنه لم يكتب لها أن تعيش عمرا طويلا، (توفي عبدالوهاب بلفقيه وهو لم يتجاوز عمره 47 سنة) وبالنظر إلى كل ما قام به المرحوم في حياته، والمناصب التي تولاها والمعارك السياسية التي خاضها، وقوته في مواجهته لخصومه، يمكن اعتباره ظاهرة “سياسية واجتماعية” في منطقة عنيدة جدا، هي وادنون حيث لاتزال ارهاصات تشكل نسيجها الاجتماعي تلقي بظلالها على الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.
هذه الظاهرة السياسية والاجتماعية التي يجسدها المرحوم عبدالوهاب بلفقيه، تأكدت لنا بوضوح بعد مرور سنة كاملة على رحيله، فلازال اسمه حاضرا بقوة في جل المناسبات والجلسات التي تقام في جهة وادنون وخارجها، فدائما ما يحضر الحديث عن مكارمه ومناقبه ومنجزاته وأخلاقه. لذلك تستحق هذه الشخصية أن تدرس وفق مناهج علمية، سوسيولوجية وانثروبولوجية، تتجاوز ما هو متعارف عليه فيما يسمى ب”سوسيولوجية النخبة”. لأن الأمر لا يستدعي فقط عرض مداخل نظرية من قبيل مفهوم النخبة أو نظريات النخبة وغيرها. وإنما الأمر يستدعي أولا معرفة تاريخ المنطقة التي أنجبت هذه الشخصية وهي ايت باعمران ومحيطها الاجتماعي في وادنون وما إليه. ثم معرفة المحيط الاجتماعي والثقافي الذي كبر فيه بلفقيه ثم دراسة النسق السياسي والاجتماعي الذي اشتغل فيه كسياسي وكمنتخب، وكفاعل اجتماعي وسياسي تجاوزت حدود تأثيره مجال وادنون.
وبالنظر إلى الواقع المغربي، نلاحظ أن الدراسات الانثروبولوجية التي درست المجتمع المغربي اهتمت كثيرا “بقضية النخبة” نظرا لأهميتها الكبيرة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأشهر هذه الدراسات هي دراسة “جون واتربوري” حول “أمير المؤمنين والنخبة السياسية،”، ودراسة “ديل إيكلمان” حول “المعرفة والسلطة صورة من حياة مثقف في البادية في القرن العشرين” والذي درس حياة القاضي الحاج عبدالرحمان المنصوري، (وهو والد ياسين المنصوري المدير العام ل لادجيد”). ودراسات كثيرة استأثرت باهتمام الباحثين الذين يشتغلون على تحليل بنية السلطة وأشكال ممارستها في المجتمع المغربي وفق سياقات تاريخية محددة. فقد بدأت الأبحاث السوسيولوجية بالاهتمام بالنخب الامازيغية عن طريق الاهتمام بتأثير الفقهاء والصلحاء ورجال الدين في المجتمع وأدوارهم الدينية السياسية والاجتماعية، ك “إيرنست گيلنر” و”جاك بيرك” وغيرهم، ثم الاهتمام بزعماء القبائل خاصة إيمغارن، وأين يستمدون شرعيتهم السياسية والاجتماعية، وكيف يمارسون سلطاتهم، ونخص بالذكر هنا الدراسة القيمة التي قام بها “روبير مونتاني” حول “الأمازيغ والمخزن”. وتعتبر هذه الأطروحة أجود ما تم نشره إلى حد الآن حول النخبة الامازيغية في نسقها المحلي، ويمكن اعتباره أول من أسس “لسوسيولوجيا إمغارن” بالرغم من أن أغلب الباحثين في السوسيولوجيا المغربية بعد الاستقلال لا يهتمون بدراسة “روبير مونتاني” أو لا يعيرونها الاهتمام الذي تستحقه. فبعد أن تلاشت منظومة “إمغارن” أي الزعماء الأمازيغ، بعد أن استحوذت السلطة المخزنية على وظائفهم وسلطتهم التي كانت تنتج من الأسفل، وتم استبدالها بسلطة القايد والعمال والولاة الذين يتم تعيينهم من فوق. ولهذا السبب يتحاشى الباحثون المغاربة الحديث عن قوة تحليل “روبير مونتاني” لأنه قام بتحليل المرجعية الأمازيغية وفق منظومتها السياسية المتكاملة ومؤسساتها وآلياتها.

وقد ظهرت بعد الاستقلال دراسات كثيرة جدا اهتمت بدراسة “الأعيان” مع تحفظنا على هذه التسمية نظرا لعدم دقتها، وأكثر هذه الدراسات اهتمت بظاهرة القايد الأمازيغ الكبار في الأطلس الكبير وسوس، وهذه الدراسات التي قام بها المغاربة تعتريها نواقص كثيرة تشبه ما تعانيه بعض الدراسات الكولونيالية من ملاحظات واستنتاجات متسرعة. أهمها تكريس لنظرة غير علمية وغير واقعية للمجتمع الأمازيغي وخصوصياته الثقافية والاجتماعية المبنية على مرجعية حضارية يقتضي فهمها، أولا؛ العيش في كنفها واستيعابها من الداخل ثم دراسة تاريخها بمنهاج موضوعي صارم.

بلفقيه : شرعية القبيلة والعائلة

إن الموضوع الذي نحن بصدده هو كيف تظهر “الزعامة المحلية” في المجتمع الامازيغي، والتي يجسدها هنا المرحوم “عبدالوهاب بلفقيه”. وأين استمد بلفقيه قوة شخصيته التي صنع بها مجدا سياسيا غير مسبوق في المنطقة؟ وكيف استطاع بلفقيه أن ينسل من سفوح مهمشة منعزلة في أقصى جنوب الأطلس الصغير ويعتلي شأن السياسة جهويا ومركزيا؟
ينحدر عبدالوهاب بلفقيه من عائلة عريقة جدا في قبيلة آيت عبلا، المشكلة للحلف السياسي الصنهاجي الذي يسمى حاليا بآيت باعمران، وهو فرع من الحلف الأمازيغي الكبير إلمتين/ المعروفة بلمطة التاريخية التي كانت لها إمارة سياسية أمازيغية في وادنول قديما ووادنون حديثا، عاصمتها نول لمطة بأسرير حاليا. قبيلة آيت عبلا توجد على الحدود الشرقية لآيت باعمران، تجاور حلف لخصاص الذي ذكره ابن خلدون ب قبائل “لخص” من بين أعرق المجموعات الصنهاجية.
آيت عبلا تأصلت فيها الشهامة والعزة والحرابة، من بين المجموعات التي زاوجت بين العلم والحرب، بين السيف والقلم، وترسخت فيها أصول العلم والتدريس منذ القدم، لذلك نجد أغلب أسر آيت عبلا هي أسر علمية، كما اشتهرت أيضا بمهنة القضاء الشرعي والعرفي، ومن بين الأسر التي زاولت القضاء في المنطقة هي عائلة “أوبلوش” خاصة القاضي سيدي محمد بن عبدالله أوبلوش الذي مارس القضاء في مدينة إفني لعدة سنوات اثناء التواجد الاسباني بها، وتوفي رحمه الله بمدينة أگادير جراء الزلزال الذي ضرب المدينة يوم 29 فبراير 1960 برفقة عائلته وأخيه الذي كان هو الآخر فقيها وقاضيا.
عبدالوهاب بلفقيه هو الآخر سليل أسرة علمية وسياسية عريقة في آيت عبلا، خاصة جده الفقيه الحسين بن عبدالله العبلاوي الذي ترجم له المؤرخ الإكراري في “روضة الأفنان” والمختار السوسي في المعسول، فقال عنه الإگراري: “ومنهم الفقيه الصبور الشكور الطعوم الصلوح لذات البين، السيد الحسين بن عبدالله بأگرض وزٌر العبلاوي البعمراني. قرأ رحمه الله في فاس…فأصغت إليه بعمرانة، فجعل يحكم ويقسم فأذعنت له قبيلة أيت عبلٌ..” وكان الفقيه الحسين بن عبدالله حليفا للحسين أوهاشم أمير تازروالت.
وبعد وفاة الحسين بن عبدالله خلفه ولده “أحمد نالطالب”، في الرئاسة والزعامة على آيت عبلا وقبيلة آيت عزا، وواجه مشاكل سياسية كثيرة نتيجة لاضطرابات اجتماعية وفتن سياسية وقعت في المنطقة مع نهاية القرن التاسع عشر و بداية العشرين، خاصة بعد صعود حركة الهيبة من تزنيت، وما خلفته من تصدعات سياسية وانتقامات بين الزعماء الأمازيغ. كان من بين نتائجها اعتقال أحمد ن الطالب في مدينة تزنيت من طرف القائد الخزار وحبسه مدة عام أو عامين على حد تعبير المؤرخ الإگراري. وخاض “أحمد ن الطالب” طيلة حياته معارك كثيرة مع القياد المجاورين له، إلى أن توفي يوم 8 رمضان 1339 هجرية، حسب ما أورده الإكراري في ترجمته.
عبدالوهاب بلفقيه هو حفيد “حماد ن طالب”، والده هو سيدي الطاهر فقيه بمدرسة تادرات “بآيت علي” التي مارس بها التدريس ثم القضاء، وبزاوية تادارت ازداد عبدالوهاب بلفقيه في سنة 1974، وهي زاوية قديمة جدا لها رمزية دينية وتاريخية منذ أن دفن بها الولي الصالح “سيدي حماد بلفيل” الذي يجهل تاريخ تأسيسها، ويرجعها بعض المهتمين بتاريخ المنطقة إلى فترة ما بعد المرابطين خاصة بعد اندحارهم من طرف الموحدين بمراكش. وزاوية تادارت كانت منارة “آيت باعمران” العلمية، ومنها ازداد أيضا الزعيم الامازيغي الراحل احمد الدغرني بعد أن استقر بها والده الذي نزح من قرية إگرار ن سيدي عبدالرحمان بأگلو، من أسرة علمية كبيرة هي نفسها التي ينتمي إليها المؤرخ الإكراري صاحب “روضة الأفنان” وعلماء وفقهاء وقضاة آخرين كثر. ومن “تادرات” انطلق “عبدالوهاب بلفقيه” إلى مجموعة مدارس الجبل الأخضر بإمستيتن حيث بدأ تعليمه الابتدائي بها، ومنها انتقل إلى مدينة أگلميم.
وبهذه المدينة الامازيغية أگلميم ولج “عبدالوهاب بلفقيه” العمل السياسي مبكرا وهو في ريعان شبابه عبر بوابة الانتخابات الجماعية سنة 2003 وأصبح رئيسا لبلدية گلميم في أول تجربة له.
لذلك يتضح أن بلفقيه يتمتع بحيوية الانتماء إلى قبيلة قوية ذات شوكة تاريخية واجتماعية وهي آيت باعمران التي تمتاز بالشجاعة والصلابة وروح التعاضد والتعاون، لاسيما في مرحلة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي منذ سنة 1916.
كما ينتمي “بلفقيه” إلى أسرة عريقة وقورة ومجدة معروفة بالعلم والتدريس والفقه وكذلك بالرياسة والزعامة والصلح بين الناس والوساطة في حل الخلافات، كما عرفت أيضا بالمجابهة والمكابدة للأزمات السياسية والقلاقل الاجتماعية جراء الصراعات التي كانت تندلع بين القبائل وبين زعمائها قبيل وأثناء الحماية الاسبانية والفرنسية بالمنطقة. فأسلاف بلفقيه تحالفوا مع تازروالت التي كانت تشكل التعبير السياسي لحلف تاكيزولت، ثم شاركوا مع حركة أحمد الهيبة التي كانت في صراع مسلح ضد التوسع الفرنسي، ولا ننسى أن حركة أحمد الهيبة التي التف حولها أهل سوس خاصة جزولة كانوا يحظون بدعم عسكري ألماني.

وبالتالي فبالرغم من أن والد “عبدالوهاب بلفقيه” لم يتقلد أي منصب سياسي من طرف الدولة بعد الاستقلال، لا عن طريق التعيين ولا عن طريق الانتخاب، فإن عائلته كانت تحظى برأسمال رمزي قام والده بتجديره وترسيخه بعد انتقاله من آيت عبلا إلى زاوية تادرات وبعد ممارسته لمهنة العدول والقضاء. وبذلك يمكن القول أن عائلته كانت تقوم بوظيفة “تحكيمية” تستمدها من شرعية دينية وسياسية وليست مخزنية ولا “استعمارية”. فرمزية القبيلة نابعة من المجتمع الأمازيغي الذي يعطي الشرعية السياسية لإيمغارن، أي تمثيل القبيلة عن طريق الانتخاب أو التناوب، عكس شرعية القياد المخزنيين الذين يتم تعيينهم من طرف المخزن لتمثيلهم في القبيلة. وقد حاول المخزن أن يخترق جدار إيمغارن في البداية عن طريق الاعتماد عن “التمثيل المزدوج”، بمعنى أن يعين المخزن نفس أمغار القبيلة كقائد مخزني، أي تمثيل القبيلة والمخزن في نفس الآن، ثم في المرحلة الثانية عمل المخزن على تعيين قياد آخرين جدد خارج بيوتات إيمغارن للتخلص نهائيا من سلطة القبيلة وضمان التبعية للسلطان مباشرة، وقد انتشرت هذه الظاهرة خلال القرن التاسع عشر، وكان المخزن في الغالب يقوم بتعيين المقربين من ايمغارن من العبيد كقياد له في الجهات والأقاليم البعيدة على المركز لضمان الولاء واضعاف شوكة القبائل وقوة زعمائها. ومع مرور الوقت تحول أحفاد ايمغارن إلى شيوخ تحت سلطة القايد المخزني.
فلابد من فهم التحولات البنيوية التي مست جوهر الزعامة السياسية الأمازيغية بعد المرحلة الاستعمارية وتأسيس الدولة الوطنية. فبالرغم من حيوية القبيلة وامتدادها إلا أنه في المجتمعات الامازيغية فقدت قوتها في انتاج زعماء سياسيين.

بلفقيه والانتخابات: الكاريزما السياسية

بدأ عبدالوهاب بلفقيه السياسة مبكرا، وهو شاب لم يكمل بعد عقده الثلاثين، بدأ من الأسفل كرقم عادي يدخل معادلة جد معقدة، في حزب صغير ليس له مال ولا تاريخ، لكن ذكاء عبدالوهاب بلفقيه جعله يتفوق على منافسيه بسرعة وترأس بلدية أگلميم ما بين سنتي 2003 و2009، وهي الفترة التي بعث فيها بلفقيه رسائل مشفرة لخصومه السياسيين كونه ليس رئيسا عاديا وإنما الأمر يتعلق ببداية بزوغ زعيم سياسي جديد بمنطقة وادنون.
كانت هذه الفترة الرئاسية الأولى 2003- 2009 لبلفقيه على بلدية أگلميم كافية لإعلان عهد جديد للمدينة وللمنطقة بشكل عام، فقد استطاع في وقت وجيز أن يغير من معالم مدينة أگلميم التي كانت تعاني من الهشاشة والبداوة وانعدام البنيات، فقد كانت تفتقر إلى أبسط شروط الاستقرار والتمدن على رأسها الطرق وقنوات الصرف الصحي والانارة والفضاءات الاجتماعية والثقافية التي تقدم الخدمات العمومية، وتحولت المدينة إلى مركز حضري يعيش فورة تنموية وازتها فورة ديموغرافية نتيجة الاستقطاب الكبير الذي عرفته المدينة من كل المناطق المجاورة والبعيدة.
هذا النجاح الذي بصم عليه بلفقيه في مرحلته التدبيرية الأولى تعزز بالثقة الكبيرة التي حظي بها في الانتخابات الجماعية 2009 حيث كرس تفوقه الكبير على خصومه، ولاحظ المواطنون الانتقال السريع الذي عرفته مدينتهم، كما عاينوا البون الشاسع الموجود بين المرحلتين، ما قبل بلفقيه وما بعده. واتضحت لهم الصورة أكثر في الولاية الثانية حيث انتقل بلفقيه من المحلي إلى الجهوي والوطني. وأصبح ضمن الوجوه السياسية الوطنية.
لم يكتف بلفقيه بالعمل التدبيري والانتخابي في معناه السطحي الجاف، وإنما حاول فرض أسلوبه الجديد في العلاقات الاجتماعية وحضوره الدائم بين الناس وداخل القبائل، مقدما لهم الدعم المعنوي والمادي ويساعد كل من طرق بابه، يقضي للناس أغراضهم ويتدخل لهم في وساطات حميدة لتيسير مهامهم وحاجياتهم، ومعروف عنه مساعدته للمعزوين والمحتاجين ويجد متعة كبيرة في ذلك.
فمنذ بداياته الأولى في العمل السياسي اعتمد بلفقيه على استراتيجية سياسية قوية مبنية على القرب من المواطنين ويشاركهم الأفراح الأحزان، ويقدم الهدايا والأضحية للذين يقوم بزيارتهم ومؤازرتهم، أو ما يسمى ب “تارزيفت” في الثقافة الأمازيغية، وهي التي يسميها الانثروبولوجي “مارسيل موس” ب”الهبة”، ويعقد تحالفات سياسية بخيوط متينة تتألف من التوافقات والاقناع والتواصل الدائم.

قوة شخصية بلفقيه تكمن في قدرته على نسج العلاقات الاجتماعية على جميع المستويات والاتجاهات، أفقيا مع المجتمع بكافة فئاته وطبقاته فقراء، حرفيون، وزعماء القبائل والنخب السياسية والشباب والنساء والفاعلين الاقتصاديين، ثم عموديا مع كافة أجهزة الدولة بمختلف أنواعها ومستوياتها. هذه التحالفات التي ينسجها بلفقيه مع كل هذه الأطراف كان يبنيها بدهاء وحنكة قل نظيرها، يتعامل باحترام كبير مع جميع الناس كيفما كانت مراتبهم في المجتمع. ويسخر هذه العلاقات والروابط المتينة في جلب المشاريع للمدينة والجهة بمختلف مناطقها وأقاليمها، وكان ذلك من بين العوامل التي جعلت أگلميم تستقطب استثمارات عمومية كثيرة في مختلف القطاعات. فقضية الترافع لا تحتاج إلى اعداد الملفات والدراسات التقنية فحسب، وإنما في إيجاد المسالك داخل الأروقة الضيقة للوزارات على المستوى المركزي، وإلى العلاقات الجيدة مع مختلف المؤسسات العمومية.
فلم يكن بلفقيه يحتاج إلى وقت كبير لتراكم تجربة وخبرة سياسية وتدبيرية، فقد ساعده ذكاءه ودهاءه في التطور بسرعة، ثم تكوينه الذاتي المستمر في القانون والسياسة والخطابة، فمن خلال مداخلات المرحوم بلفقيه أثناء تزعمه للمعارضة في مجلس جهة گلميم وادنون بين 2015 و2021، وفي جلسات الغرفة الثانية وحواراته الصحفية يتبين أنه يمتلك معرفة قانونية واسعة أهلته إلى اضعاف واحراج خصومه السياسيين بالرغم من كونهم أساتذة جامعيون يدرسون القانون والعلوم السياسية.
فمن شروط الزعامة السياسية والوجاهة في منطقة آيت باعمران والصحراء هي الكرم، فمن لا “يملك الدار الكبيرة” فلا يمكن أن يحظى بحب الناس لأنه لا يملك قلبا كبيرا، وهذه الأمور لا تقاس بحجم الأموال والثروات التي يملكها الإنسان، فكم من زعيم ومسؤول منتخب له أموال طائلة ولكن لا يفتح بيته للناس. عكس بلفقيه فقد ظل بيته مفتوحا للناس والضيوف على الدوام، حتى بعد وفاته، يقصد الناس بيته للزيارة. لإن الاطعام والعطاء هي أيضا من ميزة الأولياء الصالحين الذين بنوا كل كراماتهم الصوفية على أساس الصدقة واطعام الناس والمحتاجين. ومن شيم الأمازيغ هي الكرم والجود، والبيوتات الكبرى عادة ما تكون كريمة وسخية وأبوابها مفتوحة، ومن هنا تشبع بلفقيه بهذه القيم النبيلة التي يستمدها من سلالته المتجذرة في آيت باعمران.
إن نجاح بلفقيه سياسيا يكمن أساسا في القدرة الكبيرة التي يتميز بها في الاقناع والتواصل وخلق التوافقات السياسية بالرغم من وجود اختلافات جوهرية بين الأطراف، وهو يعرف أن التوافقات هي أساس إنجاح أية عملية سياسية وانتخابية، لذلك يعطي الأهمية الكبيرة للحوار والتفاوض والنقاش، فهو لا يضع شروطا وموانعا مسبقة أمام عمليات التفاوض مع حلفاءه وحتى مع خصومه، كما أنه يقدم تنازلات كثيرة للمتفاوضين لخلق حلفاء جدد أو دائمون. لأنه يدرك أن التسامح والتجاوز من شيم الفضلاء، فالسياسة هي دروس وتجارب يتلقاها السياسي كل يوم وباستمرار، من يستطيع استخلاص عبرها ودروسها هو من ينجح فيها.

ومن الخصال التي تجعله شخصا يتمتع بالكاريزما القوية هي “الكلمة” والوفاء بالعهود، فحينما يقطع بلفقيه وعدا مع حلفاءه فإنه لا يتراجع عليه مهما كلفه ذلك من خسائر مادية ومعنوية، فمعروف عليه أنه يحترم وعوده وعهوده، وصاحب الكلمة، وهذه من القيم التي تحدد قوة الشخصية لدى القبائل الامازيغية، وخاصة آيت باعمران، ما يسمى “أوال”، ويتداول الناس مقولة شهيرة للمقاوم الامازيغي “عبدالله زاكور” حين كانت الطائرات الفرنسية تحاصره في جبال ايت عبدالله بين تافراوت وإغرم، حيث قال وهو يحمس المقاومين ” يوف أيضر وافود أولا أيضر واوال”. وبالرغم من أنه ظل متشبثا بالعهد الذي قطعه مع رفاقه إلا أنه ظل في نهاية المطاف ضحية له حين غدر به الرفاق الذين قام هو بصناعتهم سياسيا وانتخابيا.
كل هذه الخصال والمميزات التي اجتمعت في بلفقيه عبدالوهاب وتفرقت في غيره، جعلته يحظى بالثقة من طرف المواطنين، ليس فقط لدى أنصاره وإنما لدى اغلبية الناس الذين يتعاملون معه بطريقة من الطرق، لأنه كانت له معارف واسعة ومختلفة الأطياف داخل المجتمع. فالثقة هي وقود السياسة هي الركيزة الأساسية التي يحتاجها الفاعل السياسي، وذلك ما جعل بلفقيه يتبوأ دائما المراتب الأولى في الانتخابات بالرغم من قوة منافسيه.

بلفقيه ضحية نجاحاته

إن ظهور اسم “عبدالوهاب بلفقيه” كزعيم سياسي أمازيغي يحظى بشعبية كبيرة تجاوزت كل الآفاق، محطما كل الأرقام القياسية في عدد الأصوات وعدد المقاعد التي يحصل عليها محليا وجهويا وبرلمانيا، سبب له مصائب ومكائد كثيرة، لا تعد ولا تحصى، بقدر ما تزداد شعبيته داخل أوساط الشعب بكل فئاته داخل مدينة أگلميم وكل الأقاليم التابعة للجهة، كلما يزداد حنق خصومه السياسيين الذين هيمنوا على المجالس المنتخبة في المنطقة منذ سنة 1957. بالرغم من الأموال الطائلة والثروات الكبيرة التي ييتوفر عليها خصومه السياسيين إلا أنهم يخسرون كل المعارك الانتخابية التي ينازلون فيها “عبدالوهاب بلفقيه”، الشاب الأمازيغي العصامي الذي أصبح ظاهرة سياسية واجتماعية في الصحراء.

حين كان بلفقيه يكرس كل وقته للعمل والبناء والتنمية، يفكر يشتغل ويجتهد وينسق وينظم، ينتقل بين الأحياء والدواوير والقرى والقبائل، ينسج العلاقات ويخلق الحلفاء، يكتفي خصومه بنسج الاشاعات واطلاق حملات إعلامية مغرضة ضده، في استغلال مقزز للتعددية الثقافية للخريطة الاجتماعية في وادنون، وتم تحويل الصراع من مجاله السياسي ومن منطق التنافس الحزبي والتدافع السلمي والمدني، إلى صراع عرقي استعملت فيه كل الوسائل المشروعية وغير المشروعة، بل تم توظيف آلية الانفصال عبر شن حرب إعلامية منسقة ضد شخص بلفقيه وتشويه سمعته السياسية، يشنها انفصاليين في الداخل والخارج في محاولة منهم للتأثير على الدولة. وبدون الدخول في التفاصيل التي يكاد الجميع يعرفها فإن بلفقيه عبدالوهاب كان يعاني من الظلم ومن التمييز العنصري. وقد عبر عن ذلك بحرقة ومرارة في احدى تصريحاته المسجلة. وبالرغم من ذلك ظل صامدا وحكيما مؤمنا بالمؤسسات. فقد قاموا بكل شيء، بالمناورات من شتى المواقع، وصرفوا أموالا طائلة وكثيرة جدا، إلا أنه انتصر عليهم في الانتخابات بفارق كبير، لأن الثقة لا تباع ولا تشترى.
هذه الظاهرة السياسية الأمازيغية في وادنون يجب أن تدرس لأن ما تعرضت له لم يسجله التاريخ من قبل، فبالرغم من أنه سخر كل تجاربه وقوته السياسية والاجتماعية لخدمة الدولة والمجتمع في منطقة حساسة كالصحراء، إلا أنه وقع ضحية لنجاحاته السياسية والانتخابية، فكيف يمكن لزعيم سياسي خاض الانتخابات المحلية والجهوية والبرلمانية، واحترم فيها كل القوانين والضوابط المؤطرة لها، وحين تصدر النتائج وحصل على المرتبة الأولى وتمكن من تشكيل فريق الأغلبية بعد عقد تحالفات مع الأحزاب الأخرى، ثارت ضده بعض الأوساط والجهات لإزاحته ب”البيروقراطية الحزبية” عن طريق سحب التزكية، وهذه ظاهرة جديدة يجب أن تدرس في الجامعات في درس “موت السياسة” و”فقدان الانتخابات للمعنى والجدوى”. فهل يعقل لحزب سياسي أن يمنح تزكية لمرشح قصد الظفر بالمقاعد والمجالس والمسؤوليات وحين يتحقق ذلك، يتم سحب التزكية من المرشح الذي حصل على الأغلبية قصد أن تمنح الرئاسة إلى حزب آخر فشل في أن يتبوأ الصدارة وفشل في أن يقنع الحلفاء من الأحزاب السياسيين الآخرين. هذه سابقة جديدة في تاريخ الانتخابات السياسية المغربية، ولا تعري واقع الأحزاب وبيروقراطيتها وإنما نسفت للأسف الشديد التجربة المغربية الفتية في الجهوية المتقدمة والموسعة. مأساة بلفقيه هي عنوان لإفلاس الحزبية المغربية، التي تورطت في موت زعيم سياسي مخلص ووفي للثوابت الوطنية.
السؤال الأخير: من الخاسر في فقدان المرحوم بلفقيه؟ أولاده وأسرته وعائلته وأمه واخوانه واصدقاءه ومعارفه وأنصاره…. والدولة والوطن أيضا وأكثر، لأنه كان رجلا استثنائيا يضبط التوازنات ويصنع التوافقات في منطقة هشة متوثرة ومتقلبة…

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد