كرة القدم ليست ذريعة لرفع الأسعار. بقلم مصطفى اغلاسن

في كل مناسبة كروية كبرى، سواء تعلق الأمر بمباريات المنتخب المغربي أو بمواجهات الأندية العالمية التي تحظى بنسبة مشاهدة عالية، تطفو إلى السطح ممارسات تطرح أكثر من علامة استفهام، لعل أبرزها ظاهرة رفع تسعيرة المشروبات داخل بعض المقاهي، وفق ما يشبه “بورصة المباريات”.
انطلقت هذه الملاحظة من بعض الملصقات المعلقة ببعض المقاهي، تخبر الزبناء بشكل صريح عن ثمن مشاهدة مباريات المنتخب المغربي أو مقابلات مهمة من الدوريات العالمية المشهورة بنديتها وحماستها ونجومها الكبار، وكأننا أمام تذكرة دخول إلى مدرجات ملعب، لا فضاء عمومي يفترض أن تحكمه قواعد واضحة وأخلاق مشتركة.
بعض أرباب المقاهي لا يكتفون فقط برفع التسعيرة، بل يتفننون في ابتكارات موازية: حجز الكراسي، التمييز بين الزبناء، منح الصفوف الأمامية لمن تربطهم علاقات شخصية بصاحب المقهى أو العاملين به، في مشهد يعكس نوعا من التطبيع مع منطق الاستغلال الموسمي.
لسنا هنا ضد أصحاب المقاهي ولا ضد حقهم في الربح، فذلك أمر مشروع، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في طريقة التلاعب بالأسعار، وغياب أي مبرر منطقي أو أخلاقي لهذا الرفع المفاجئ.
فكيف يعقل أن يكون ثمن كأس قهوة في الأيام العادية 11 درهما، ليصبح فجأة 15 أو 20 درهما أو أكثر من ذلك في بعض المباريات، فقط لأن مباراة مهمة تعرض على الشاشة؟
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل هذا السلوك مقبول أخلاقيا قبل الحديث عن قانونيته؟
وهل تتحول المناسبات الرياضية، التي من المفترض أن تجمع المغاربة على الفرح والانتماء، إلى فرص لاستنزاف جيوب فئة واسعة من المواطنين؟
الأخطر في هذه الظاهرة أن ضحيتها الأساسية هم الشباب، والعشاق البسطاء لكرة القدم، وغالبيتهم بدون دخل قار أو بإمكانيات محدودة، شباب لا يطلب أكثر من متابعة مباراة منتخب بلاده، ليجد نفسه أمام تسعيرات مضاعفة، وكأن حب الوطن أصبح امتيازا مدفوع الثمن.
وإذا كانت هذه الممارسات تمر اليوم في صمت نسبي، فإن الخشية كل الخشية أن تتوسع أكثر مع توالي التظاهرات الكبرى التي تحتضنها مملكة الشريفة في هذه الفترة من كأس إفريقيا إلى الاستحقاقات الدولية المقبلة “كأس العالم”، وهو ما يستدعي دق ناقوس التنبيه قبل أن تصبح هذه الظاهرة أمرا عاديا ومألوفا.
إننا كمجتمع وكأفراد مطالبون بالتحلي بروح التضامن والتآزر، لا باستغلال بعضنا البعض في لحظات يفترض أن تسودها الروح الوطنية، فالمواطنة لا تختزل في رفع الأعلام وتشجيع المنتخب فقط، بل تتجلى أيضا في السلوك اليومي، وفي احترام القدرة الشرائية للآخرين، وفي عدم تحويل الفرح الجماعي إلى مناسبة للربح غير المشروع.
ولا يجب أن ننسى أن المغرب اليوم تحت أنظار العالم، وأن صورنا اليومية، في الشارع والمقهى والفضاءات العامة ووسائل المواصلات والإقامات وغيرها، تشكل جزءا من الانطباع العام عن بلد يستعد لاحتضان تظاهرات كبرى، فالرهان أعزائي القراء ليس رياضيا فقط، بل أخلاقي وحضاري أيضا.
لذلك فلنكن في مستوى هذه اللحظة، ولنعبر عن علو كعبنا وسمو أخلاقنا وعن مواطنتنا الحقيقية بسلوكنا قبل شعاراتنا، حتى نورث للأجيال القادمة وللعالم صورة بلد ومجتمع متوازن، كريم، مضياف ومسؤول.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد