إعلان جانبي يمين
إعلان جانبي يسار

آيت بعمران أهل القرآن بقلم: لحسين بلعسري

آخر تحديث : السبت 2 مايو 2020 - 5:50 مساءً
2020 05 02
2020 05 02
آيت بعمران أهل القرآن بقلم: لحسين بلعسري
ifninews

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى ءاله وصحابته أجمعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

 رمضان شهر القرآن الكريم، فناسب ذلك تخصيص الكلام عن أحد القبائل المغربية التي تعنى بحفظ كتاب الله وتدريسه وتعليمه للناشئة؛ وذلك بإشارات سريعة تصف ماضي الأسلاف وأمجاد الحاضر في هذا الباب. في نقاط على النحو الآتي:

1-   أصل الاهتمام بالقرآن في آيت بعمران

فالقرآن كلام الله المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته والمعجز في لفظه ومعناه، المنقول إلينا بالتواتر المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس ؛ ودون الدخول في شرح متعلقات هذا التعريف مخافة الطول …لابد من الإشارة إلى أن الله جل ثناؤه تكلف بحفظ كتابه العزيز بوعد قاطع حيث يقول جل ثناؤه :” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (سورة الحجر الآية: 9) . وهذا الوعد نوعان : حفظ في السطور وحفظ في الصدور ، فالأول بين المعنى واضح الدلالة إذ كان الصحابة رضوان الله عليهم يكتبون الآيات القرآنية فيما تأتى لهم من وسائل بسيطة(جريد النخل. الحجارة….) إلى أن شاء الله أن يجمع في عهدي أبي بكر وعثمان. وأما النوع الثاني وهو الحفظ في الصدور المقصود به انكباب المسلمين الأول والتابعين وأتباعهم إلى زمننا هذا على حفظ كتاب الله تعالى وتعليمه للناشئة .
وأنت خبير أن المغاربة بارعون في هذا الشأن، بمن فيهم أيت بعمران الشامخة التي كانت ومازالت معدنا للحفاظ ،لأن الآباء والأجداد من جبال (تلو ) إلى (حدود أيت علي) يعون هذه المسؤولية فاعتنوا ب” تيمزكادوين” وأسسوا مدارس عتيقة على غرار بلاد سوس التي يقول عنها الدكتور المهدي السعيدي ( حتى أوائل القرن الخامس عشر للهجرة حين بدأت في سوس والمغرب عامة موجة من العناية بالمساجد والمدارس العتيقة إصلاحا لمبانيها واعتناء بأساتذتها وطلبتها ” (المدارس العتيقة وإشعاعها… ص 72)، ففي ربوع هذه القبيلة نجد عشرات من المدارس أسست للعناية بالقرآن الكريم تحفيظا وتدريسا، فتكونت لدى الغالبية من الطلبة ملكة (توراشيت)؛ كل ذلك منظوم في أرجوزات وأبيات جامعة .محفوظة في الصدور كخرائط ذهنية للاستذكار وهناك من عرف بالقراءات، كمن قال فيهم العلامة الوزير ” المدرسة التكنرفائية البعمرانية  أشهر من مر بها القارئ الضحاكي زمنا، فخرج منها عشرات في الروايات” ( المختار السوسي، مدارس سوس العتيقة، ص: 96)  ومنهم سيدي علي بوتاتن الإسكي، فصارت البعثات تنتقل إلى الأمصار الأخرى للمشارطة والتعليم في جميع مناحي المملكة ..واسأل جبال سوس ومدارسها تنبئك الخبر اليقين.، فكسبوا بذلك مهابة القرآن الكريم ، وقد تكون في مجلس يقرأ الناس فيه جماعة فتلحظ الفلاح أو التاجر من جملة القراء. فهنيئا لنا ولهم بذلك. كيف لا والقرآن الكريم  يشفع لصاحبه. يمكن القول إذن أن أصل  الاهتمام بالقرآن في آيت بعمران، جزء من الاهتمام به في المملكة المغربية عامة وسوس على وجه الخصوص.

  • علوم غير القرآن

إذا كان القرآن الكريم مما تميز به أهل هذا الصقع في المغرب حفظا وتحفيظا، فإن المدارس العتيقة بأيت باعمران لم تكن بدعا من قريناتها في القبائل الأخرى التي اعتنت بالعلوم المختلفة، كاللغة والفقه والفلك والتفسير، والوعظ والخطابة..، يقول صاحب روضة الأفنان:” ومنهم شيخنا  سيدي محمد بن إبراهيم الهرواشي ببفرن البعمراني (….) وهو رحمه الله رجل صبور، تقي نقي ذو مروءة، لزوم للتدريس في مرسة إسك، له يد طولى في النحو… قرأت عليه في إكضي 1301 ه الخزرجية والمقنع، فهو الذي فتح بصيرتي فيهما، وقرأت عليه الميراث في إسك” (روضة الأفنان، محمد ابن أحمد الإكراري، ص: 211). وسيدي محمد بن إبراهيم هذا هو من وجده السلطان الحسن الأول في مدرسة إسك وله معه قصة.

وقال الإكراري في معرض حديثه عن سيدي محمد بن إبراهيم أبراغ البعمراني:” ومنهم الفقيه الرباني، الواعظ الصمداني، من له راية في الإرشاد، وخطابة في كل ناد، أفنى عمره في نصح العباد” ( الروضة، ص: 212)

ويقول المختار السوسي رحمه الله عن القاضي الفقيه سيدي محمد أبلوش:” شارط في مدرسة قبيلته أيت عبلا فلازمها اثنتي عشرة سنة كان فيها مثال الجد والانكباب على التعليم، فأخذ عنه إذ ذاك نجباء ظهروا في الميادين العلمي” ( المعسول م 10 ص: 266

إن هذه الأقوال لتفيدنا غاية الإفادة  في إدراك المزواجة بين تحصيل القرآن الكريم والعلوم المعهودة في المدارس العتيقة في سوس، من لدن أبناء أيت بعمران، فلا يسع المقام لذكر تراجم لكثير منهم ، فليراجع الروضة، المعسول وغيرها.

أما في الوقت الراهن فالنوابغ في مختلف العلوم كثر ولله الحمد لا يسع المقام لذكرهم، ويمكن أن تكفي بما افرد به الصقع في الباب، أن ترجمت معاني  القرآن الكريم باللغة الأمازيغية على يد أحد أعلام المنطقة الأستاذ سيدي الحسين الجهادي، وهذه ميزة أخرى لأيت بعمران في خدمة القرآن، لم يعرف لها نظير.

3-   حاضر المدارس العتيقة والقرآن بأيت بعمران:

ليس هدفنا استقصاء المدارس العتيقة بأيت بعمران، ولكن الهدف توجيه الأنظار إليها لمزيد عناية وحرص، وسأورد بعض أسمائه بشيء من الاختصار:

  • مدرسة إسك: مدرسة تنتمي إلى أيت النص، ولها تاريخ عريق سبق الحديث عنه خاصة مع الفقيه الهرواشي، ودفن الولي الصالح سيدي أبوابراهيم نفعنا الله بعلمه وبركته، قال عنه المختار السوسي:” موسى بن يعقوب البعمراني دفين إسك ورجل صالح مذكور، وفي أحفاده علم كثير ورياسة”، وهذه المدرسة مر بها الفقيه سيدي الحاج محمد أفرياض وسيدي الحاج مبارك بورحيم الساحلي، وغيرهم وخرج منها مجموعة من الطلبة، ويرابط فيها الآن الفقيه الزاهد الأديب المتواضع سيدي الحسين الأطرش البعمراني، فأعاد إشعاعها وبهجتها مع اعتماد نظام التعليم العتيق، ويدرس بها القرآن سيدي محمد بلحبيب القرآن الكريم.
  • مدرسة بوكرفا: في أيت إعزة وقد مضى فيها جلة من الفقهاء المقرئين منهم سيدي الحسين البوهالي البوفرناوي رحمه الله، خرج منها عدد من الفقهاء والحفظة، ويرابط فيها الآن شيخ الفقهاء القراء سيدي محند أقسام البعمراني، تخرج على يديه عدد كبير من الطلبة.
  • مدرسة سيدي حساين أيت بوبكر: ومن جملة من كانوا فيها من القراء سيدي محمد كوعبلا آية في الحفظ والإقراء، خرجت مجموعة من الحفاظ والفقهاء في ربوع الوطن، وما زال فيها الآن الفقيه جامع الفنون سيدي اسماعيل بوشحموض؛ دروسه ومواعظه لا يمل حاضرها. ويدرس فيها القرآن سيدي الحسن وعاش البعمراني. 
  • مدرسة سيدي زكري: بأيت أيوب وفيها الفقيه المقرئ سيدي إبراهيم اجبارة امراح، المجد المجتهد تخرج عليه عدد أكثر من أن يعد ويحصى من حفظة كتاب الله.
  • مدرسة أيت عبلا: وهي من المدارس التاريخية التي مر فيها جلة من الفقهاء وتخرج منها عدد من الطلبة والفقهاء، يرابط فيها الفقيه العلامة الزاهد سيدي جامع.
  • وهناك مدارس أخرى:  في حاضرة سيدي علي إفني (مسجد كولومينا، مدرسة الفتح)، بيفورنا، أكجكال، الودادية، سيدي محند بنداود، تنكرفا، مستي…. وكلها مراكز علمية في منطقة أيت بعمران فيها فقها أجلاء مرابطون.

ومجمل ما يمكن قوله أن هذه المدارس ما زالت تجعل القرآن الكريم مادة أساسية وبرنامجا ضروريا للطلبة، بالإضافة إلى مواد منهاج التعليم العتيق، في أغلبها و الذي يشرف عليه أطر التدريس في مختلف التخصصات، بتأطير تربوي من مفتشين متخصصين.

4-   اعتراف وتقدير:

بالعناية المولوية السامية لملكنا الهمام نصره الله بالمدارس العتيقة وبالشأن الديني عامة، اتخذت المؤسسات الرسمية على عاتقها عهد الاهتمام بالمدارس والفقهاء وحفظة القرآن بالمغرب عامة، وبأيت بعمران على وجه الخصوص، من خلال مندوبية الأوقاف، التي يرأسها الدكتور سيدي حسن بلمختار، ولا أحد ينكر حبه لأهل القرآن والفقهاء وعموم طلبة العلم، وكذلك الأمر بالنسبة للمجلس العلمي المحلي الذي يرأسه أحد أحفاد سيدي عبد الله أوسعيد دفين أيمور سيدي عبد الله السعيدي، وهو وارث عناية أسرتهم بالقرآن وأهل القرآن وكان يرأس جمعية لرعاية مدرسة أيمور، وكذا السيد عامل الإقليم.  ففي بداية هذا العام نظمت ندوة  بمقر العمالة في هذا الموضوع وتم فيها تكريم جملة من القراء والفقهاء الأجلاء، تقديرا واعترافا واهتماما بأهل القرآن أهل الله وخاصته، بقبيلة أيت بعمران، وأغنى الدكاترة والأساتذة والفقهاء موائد هذه الندوة بسير مجموعة من القراء والحفظة.

5-   قراء معاصرون غادروا إلى دار البقاء

تقبل الله منهم كلما علموه وجعل القرآن العظيم شفيعا لهم، ونفعنا ببركتهم، فقد خلدوا لهذه القبيلة في حب القرآن وتعلميه ذكرا، فقد مات من القراء المعاصرين ثلة مهم سيدي الحسن التدرارتي المعروف بالشعب، ساكن مركز تيوغزة، وكان آخر تدريسه بإبودرارن بمدرسة تافراوت المولود، وكذلك الفقيه المقرئ سيدي مبارك لامين بن الطاهر التازولتي، غادرنا السنة الماضية رحمه الله ، وكان مدرسا للقرآن مجدا حفظ على يديه طلبة كثر في مختلف ربوع المملكة، وكان آخر  مدرسة له بالكريمة الساحل وغيرهم … فالله نسأل أن يتغمدهم بواسع رحمته وجميع المسلمين.

  • الختم:

ونحن نورد هذه اللمحة السريعة عن القرآن الكريم في منطقتنا أيت بعمران هذه، لا ندعي بذلك الانفراد به، ولكن الأفضلية في الباب لهم، ولا نعدم الاهتمام بالعلوم والفنون الأخرى، وقد ذكرنا من الفقهاء والقراء بعضا منهم، وسيكون لنا بحث -إن شاء الله- في ديداكتيك الدرس القرآني بأيت بعمران، على أمل أن تكون هناك دراسات وبأبحاث شاملة في الموضوع ليستفيد منه الطلبة والمهتمون، فلا يسعنا إلا أن نشكر القائمين على الشأن الديني في المنطقة، ونسأل الله أن يبارك في علمائنا وينفعنا بهم وأن يستمر هذا الفضل أبد السنين، ويحفظ بلدنا المغرب وملكنا الهمام.

وأخيرا……جزى الله آباءنا وأجدادنا ورحمهم على عملهم إذ أورثوا لنا صدورا حافظة وخلدوا لنا في الهمة وحب القرآن وعمارة المساجد ذكرا ذكرا .

كتبه لحسين بن محند بلعسري البعمراني 3 رمضان  1441 هــــ

ifninews
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

لا يسمح بنشر التعليقات المسيئة أو التي تحمل كلمات نابية أو التي تمس بالدين والوطن والحرمات ..

google.com, pub-6836280101003033, DIRECT, f08c47fec0942fa0